أبو الليث السمرقندي

217

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الحواريون هم أصفياء عيسى - عليه السلام - وكانوا اثني عشر رجلا . وقال مقاتل : كانوا قصّارين ، فمر بهم عيسى - عليه السلام - وقال : من أنصاري إلى اللّه ؟ قالوا : نحن أنصار اللّه . ويقال : إنه مر بهم ، وهم يغسلون الثياب . فقال لهم : إيش تصنعون قالوا : نطهر الثياب . فقال : ألا أدلكم بطهارة أنفع من هذا ؟ قالوا : نعم . فقال : تعالوا حتى نطهر أنفسنا من الذنوب ، فبايعوه . ويقال : إنهم كانوا صيادين ، فمرّ بهم . وقال : ألا أدلّكم على اصطياد أنفع لكم من هذا ؟ قالوا : نعم . فقال : تعالوا حتى نصطاد أنفسنا من شر إبليس ، فبايعوه . وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : إنما سمّوا حواريين لبياض ثيابهم ، وكانوا صيّادين . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الزّبير ابن عمّتي وحواريّ من أمّتي » ، يعني به الخالص ، فهذا يكون دليلا لقول الكلبي : إنهم خواصه وأصفياؤه ، ومعنى آخر نحن أنصار اللّه ، يعني أنصار دين اللّه آمَنَّا بِاللَّهِ أي صدقنا بتوحيد اللّه وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ يعني أشهدنا ، على ذلك ، فاشهد يا عيسى بأنا مسلمون ثم قالوا : رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ من الإنجيل على عيسى وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ أي عيسى - عليه السلام - على دينه فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ يعني اجعلنا مع من أسلم قبلنا ، وشهدوا بوحدانيتك . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 54 ] وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 54 ) ثم قال تعالى حكاية عن كفار قومه : وَمَكَرُوا يعني أرادوا قتل عيسى - عليه السلام - وَمَكَرَ اللَّهُ تعالى ، أي جازاهم جزاء المكر وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ لأن مكرهم جور ومكر اللّه عدل . قال الكلبي : وذلك أن اليهود اجتمعوا على قتل عيسى ، فدخل عيسى - عليه السلام - البيت هاربا منهم ، فرفعه جبريل من الكوّة إلى السماء . كما قال في آية أخرى ، وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ * [ البقرة : 87 ، 253 ] فقال ملكهم لرجل خبيث يقال له يهوذا : ادخل عليه ، فاقتله ، فدخل الرجل الخوخة ، فلم يجد هناك عيسى ، وألقى اللّه عليه شبه عيسى - عليه السلام - فلما خرج رأوه على شبه عيسى ، فأخذوه وقتلوه وصلبوه ، ثم قالوا : وجهه يشبه وجه عيسى ، وبدنه يشبه بدن صاحبنا فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ، وإن كان هذا صاحبنا ، فأين عيسى ، فوقع بينهم قتال ، فقتل بعضهم بعضا ، فلما خرجوا رأوه على بيت ، فذلك قوله : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ قال الضحاك : وكانت القصة أن اليهود خذلهم اللّه تعالى لما أرادوا قتل عيسى - عليه السلام - اجتمع الحواريون في غرفة ، وهم اثنا عشر رجلا ، فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة فأخبر إبليس جميع اليهود ، فركب منهم أربعة آلاف رجل ، فأحدقوا بالغرفة . فقال المسيح للحواريين : أيكم يخرج فيقتل وهو معي في الجنة ؟ فقال رجل منهم : أنا يا نبي اللّه ، فألقى إليه مدرعة من صوف ، وعمامة من صوف ، وناوله عكازه ، فألقي عليه شبه عيسى - عليه السلام - فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه ، وأما المسيح ، فكساه اللّه الريش ، وألبسه النور ،